الجانب المظلم للحب

رواية “الجانب المظلم للحب” لرفيق شامي: المجتمع والديكتاتورية في سوريا خلال 100 عام

لم أدرِ كيف تملّكتني الشجاعة اللازمة كي أبدأ بقراءة رواية يتجاوز عدد صفحاتها الألف! وهُنا أتحدث عن رواية “الجانب المظلم للحب” للكاتب السوري الألماني الشهير رفيق شامي والذي لم يسمع عنه -للأسف- الكثير من السوريين داخل سوريا كون كتبه ممنوعةً في بلده الأصلي رغم أنها تُرجِمَت لأكثر من ثلاثين لغة وتصدرت قائمة المبيعات best seller في دول أوروبية عدّة.

أنا نفسي لم أسمع بالشامي إلّا عندما أتيت إلى ألمانيا ومن الألمان أنفسهم، وتفاجأت أن كاتبًا من سوريا يُعتبر أحد أشهر وأهم الكُتّاب في ألمانيا لم يعرفه الكثير من السوريين داخل سوريا. ازدادت مُفاجأتي عندما عرفت بأن جميع رواياته لا تخرج من إطار البيئة الدمشقية حيث تجد حارات دمشق في كل صفحة تقريبًا من صفحاته، واستعصى عليّ فهم كيف تمكّن من جذب الألمان وغيرهم عبر روايات مُغرقة في محلّيَّتها كنت أعتقد أن أحدًا لن يهتم بتفاصيلها إن لم يكن فعلًا قد عاش في دمشق وعرف تفاصيل حاراتها ومجتمعها.

استغربتُ في البداية أن الشامي يكتب بالألمانية وليس بلغته الأم، لكني تفهّمت أن هذا طبيعي لكاتب يعيش في ألمانيا وترفض معظم دور النشر العربية النشر له أساسًا، بل قال ذات مرة بأنه يجد صعوبة في إيجاد مُترجمين (شجعان) يقبلون ترجمة رواياته إلى العربية كون موضوع الديكتاتورية العربية هو سمة رئيسية في معظم ما يكتبه.

المشكلة الوحيدة هنا هي أن ليست جميع رواياته قد تُرجِمَت للعربية وبالتالي فعلى من لا يجيد الألمانية قراءتها بالإنجليزية أو غيرها من الترجمات.

أول رواية قرأتها له كانت (يد ملأى بالنجوم) Eine Hand voller Sterne، وهي رواية خفيفة تدور أيضًا في دمشق قرأتها بالألمانية كنوع من التدريب على القراءة بالألمانية رغم أنها مُترجمة للعربية. أما الرواية التي سأحكي عنها اليوم فهي (الجانب المُظلم للحب) Die dunkle Seite der Liebe ثاني رواية أقرأها له وقد قرأت ترجمتها العربية لأن قراءة ألف صفحة بالألمانية سيكون جهدًا خرافيًا علي، كما أن الترجمة العربية ممتازة خاصة أن الشامي راجعها ونقّحها وعدّل عليها.

كما أسلفت في البداية، كان اختيار هذه الرواية شجاعة كبيرة منّي كونها تتجاوز الألف صفحة. مشكلتي عادةً مع الروايات الكبيرة هي ذاكرتي الضعيفة لأني أنسى بسرعة من هو فلان وما هي علاقته بعلّان … الخ، وبالتالي تضيع خيوط القصة.

لكن ما جذبني إلى (الجانب المظلم للحب) هو أنها أيقونة ما أنتجه الشامي، حيث استغرق في كتابتها أكثر من ثلاثين عامًا، وغطّت الرواية حوالي 120 عام من تاريخ سوريا، وكلّفته كتابتها ثروة حيث احتاج إلى شراء وثائق عتيقة وأرشيفات قديمة كاملة لمجلات عربية صدرت في الستينات والسبعينات، بل قام على ما يبدو بدفع رشاوى لتهريب وثائق ومحاضر تحقيق من سجن تدمر الرهيب تعود إلى فترة اعتقالات الشيوعيين والإخوان المسلمين. كما خصص في منزله -كما يحكي بعد نهاية الفصل الأخير من الرواية- مكتبة كاملة تتضمن أكثر من 200 كتابًا قرأها لاستخلاص ما يمكن تقديمه كمعلومات دقيقة عن الفترة التي تُغطيها الرواية.

هذا الجهد الموسوعي من الشامي أدى إلى نجاح كبير للرواية، وهذا ما كتبه على غلافها الخلفي حول نجاحها:

خلال فترة قصيرة جدًا، تصدرت الرواية قائمة المبيعات، وملأت صفحات النقد الأدبي، وخصصت لها صفحات كاملة في كبريات الصحف والمجلات الألمانية، وظلت الرواية تتصدر الأكثر مبيعًا في ألمانيا طوال 35 أسبوعًا، وترجمت رغم ضخامتها إلى أكثر من عشر لغات منها الإنجليزية والإيطالية والهولندية والإسبانية والسلوفينية والتشيكية واليابانية والعبرية والنرويجية والفنلندية والسويدية واليونانية، وتصدرت الرواية أيضًا قائمة المبيعات في إيطاليا وإسبانيا لمدة ستة أشهر. كما أشاد بها عدد كبير من النقاد وأثنوا عليها في كبريات الصحف العالمية. لو تنبأ أي صديق بهذه الحقيقة لأشفقت على شفقته علي.

تنطلق القصة من خلاف استمر عقودًا بين عائلتين في إحدى القرى المسيحية في سوريا (معلولا – مسقط رأس الشامي- لكنه يُسميها في القصة “معلّا” حيث يُغيّر الاسم بشكل مُتعمد كنوع من الإشارة بأن مثل هذه القصص تحدث في أي قرية أخرى). القصة لها خلفية حقيقية عايش الشامي جزءًا منها في شبابه، ثم تنتقل القصة إلى حي باب توما الدمشقي كمسرح رئيسي لها مع انتقال الأجيال اللاحقة من العائلتين للعيش في دمشق.

تبدأ القصة بالتفاصيل اليومية للخلاف بين العائلتين منذ فترة تبعية سوريا للدولة العثمانية تليها فترة الاحتلال الفرنسي. وينجح الشامي في جعلك تعيش تفاصيل الحياة والمُجتمع والخلافات العشائرية هناك بواقعية كبيرة. ومع انتقال الأجيال الجديدة من العائلتين إلى دمشق تنتقل معها الخلافات. ثم تتحول القصة إلى قصة حب محرّمة بين شاب وفتاة ينتمي كل منهما إلى واحدة من العائلتين المُتنافستين. وهنا نرى شدة الخلاف العشائري المُستحكم بين العائلتين اللتان ترفضان العلاقة ليس لسبب ديني، فكلتا العشريتين تدينان بالمسيحية، بل لسبب عشائري بحت.

تستمر القصة خلال عهد الانقلابات العسكرية المتكررة في سوريا حتى فترة انقلاب البعث، ثم انقلاب البعث على البعث وحكم الأخّين حافظ ورفعت الأسد.

أحيانًا ما تكون السياسة في خلفية القصة، وأحيانًا ما تكون هي القصة نفسها حيث تنخرط بعض شخصياتها بالعمل السياسي، ومن هنا نرى الاعتقالات والتنكيل والتعذيب والإعدامات ومشاهد سجن تدمر وكواليسه اليومية.

ما أعجبني بشكلٍ خاص هو النقل الدقيق لحالة المجتمع في تلك الفترات، وأحاديث الناس العاديين في الحارات والمقاهي، وحتى نقل النكات التي كانوا يحكونها عن جمال عبد الناصر، أو عن هذا الدكتاتور أو ذاك. كل هذا دون أن تتحول الرواية إلى كتاب تاريخ حيث تمر هذه الوقائع بشكل طبيعي ضمن سياق الأحداث اليومية للقصة.

كنوع من الاستهزاء، استخدم الشامي أسماء كاريكاتيرية طريفة للإشارة إلى جنرالات الانقلابات المتكررة في تاريخ سوريا ولم يذكرهم بأسمائهم الحقيقية، حيث تقرأ أسماء مثل (شكلان) و (بيضان) و (تيسان) و (متآمران) بدل حسني الزعيم أو جمال عبد الناصر أو صلاح جديد أو حافظ الأسد. في حين أن الشخصيات الوطنية التي أحبها السوريون مثل فارس الخوري حافظت على أسمائها الحقيقية في الرواية.

نرى ضمن الرواية قمع حرية التعبير على زمن البعث من خلال مقاطع عدة مثل هذا المقطع:

ذات يوم ربيعي جميل ألقى الجنرال متآمران كلمة وعد فيها بتحرير فلسطين وبناء مجتمع عربي اشتراكي موحّد. وكخطوة أولى لتحقيق هذا الهدف، حُظر إصدار الصحف الوطنية السبع عشرة والإحدى عشرة مجلة كلها. عند العشاء كان إلياس غاضبًا لأنه لم يعد بوسعه قراءة صحيفته الأثيرة “الأيام” ولم تعد في الأسواق سوى صحف حزب البعث […] ولم يعد بإمكان كلير أن تحصل على مجلتها “دنيا” التي كانت تعرف من خلالها ما يجري في العالم، وافتقد فريد ويوسف المجلة الساخرة “المضحك المبكي”.

وقد كان الشامي قاسيًا في سخريته من عائلة الأسد، وهذا ما ورد ضمن الرواية في وصف رفعت الأسد المُسمى (شفطان) ضمن القصة:

كان يرتدي بدلة عسكرية خضراء واسعة عليه لإبراز قوّته ورجولته، لكنه كان يبدو أشبه برسم كاريكاتيري ثلاثي الأبعاد لقرد.

وفي إشارة إلى إحدى استراتيجيات حكم آل الأسد تقول الرواية على لسان أحد رجال الأعمال:

ذات يوم كنا ندفع ضرائب إلى إدارة الضرائب، أما الآن وبعد أن أصبح الفلاحون يحكموننا فقد أصبحتُ أدفع أشياء عينية. إن الفلاحين يحبّون ذلك، يبادلون البندورة بالبيض أو الجبنة، وأنا أحصل على ما أريد بأسعار أرخص بكثير”. كان صوته يرشح احتقارًا.

لكن في ذات الوقت، ورغم الإشارة إلى حكم البلد بعقلية “مقايضة البيض والجبنة” و استخدام مصطلحات مثل “حكم الفلاحين”، يتضح من خلال الرواية أن استخدام مثل هذه المصطلحات ليس نوعًا من الطبقية أو التعالي على طبقة الفلاحين على الإطلاق، حيث تتحدث الرواية أيضًا عن الظلم والقمع الذي تعرضت له هذه الطبقة تحت حكم البعث نفسه، أو ما قبل ذلك خلال عهد الإقطاع.

أعتقد أن هذه الرواية تنجح وبشكلٍ كبير في إبراز فترة هامة من تاريخ سوريا بشكل لا تنجح فيه الكثير من الكتب التأريخية التي تنقل لك المعلومات لكنها لا تنقل روح الفترة والمجتمع، كما يفعلها الشامي الذي يجعلك تعيش هناك بالفعل.

أما فكيف استطعت قراءة هذه الرواية الضخمة ودون ملل أو ضياع، فالفضل إلى الأسلوب الشيق الذي يتمتع به رفيق الشامي الذي يحب أن يُطلق على نفسه صفة الحكواتي أكثر منه روائيًّا. حيث تشعر بأن الرواية هي عبارة عن مجموعة من القصص والحكايا. ورغم ترابط كل هذه الحكايات بشكلٍ وثيق إلّا أن كلًا منها مُقدَّم إمّا ضمن إطار زمني مُعيّن مع شخصيات مختلفة في كل زمنٍ منها، أو ضمن إطار جغرافي أو مكاني محدد بشخصياته وأبطاله. وبالتالي وبشكلٍ غريب لا يجيده إلا الشامي ستشعر بأنك تقرأ مجموعة من القصص داخل القصة الرئيسية بحيث يبقى القارئ مُركّزًا مع المحور الرئيسي ومستمتعًا بالأقاصيص الفرعية بكافة تفاصيلها دون أن يُفلت أي خيطٍ من خيوطها.

إن لم تكن قد قرأت شيئًا لرفيق الشامي بعد، فأنا أنصحك بذلك بشدة، سواء اخترت البدء مع (الجانب المظلم للحب) أو غيرها.

أنس المعراوي

اترك تعليق

1 تعليق على "رواية “الجانب المظلم للحب” لرفيق شامي: المجتمع والديكتاتورية في سوريا خلال 100 عام"

avatar
  اشتراك  
نبّهني عن
محمد الكنج
ضيف

مع أني ما قريت بحياتي رواية بتقرب حتى من الألف بس توينتك حفزتني أني أقراها.
شكرًا. يمكن أرجع اكتب تعليق تاني إذا خلصتها.